أَحْبَبْتُ غَيْمَةً لَا تُمْطِرُ..
أَحْبَبْتُ غَيْمَةً تَطِلُّ عَلَى بسُرْعَةٍ ثُمَّ تَرْحَلُ..
تُظَلِّلُنِي قَلِيلًا، ثُمَّ تَمْضِي...
دُونَ أَنْ تَتْرُكَ قَطْرَةً وَاحِدَةً تُطْفِئُ ظَمَأَ قَلْبِي.
كُنْتُ أَرَاهَا مُمْتَلِئَةً، مُثْقَلَةً بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الْمَطَرَ،
شَيْئًا لَطَالَمَا تَعَطَّشْتُ إِلَيْهِ..
لَكِنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ فِي أَحْشَائِهَا صَمْتًا أَكْثَرَ مِمَّا تَحْمِلُ حَنَانًا..
تَحْمِلُ هُدُوءًا مُرْبِكًا يُحْزِنُنِي أَكْثَرَ مِمَّا تَحْمِلُ عَطَاءً.
أَحْبَبْتُهَا كَمَنْ يُحِبُّ الْوَعْدَ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ..
كَمَنْ يَعْشَقُ الْأَمَلَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ الْيَأْسُ،
وَيَهْتِفُ بِالْمَطَرِ وَالسَّمَاءُ لَمْ تُخْلَقْ،
يُصَدِّقُ الظِّلَّ أَنَّهُ مَطَرٌ.
أَحْبَبْتُ غَيْمَةً لَا تُمْطِرُ..
فَكُلَّمَا تَلَبَّدَتْ فِي سَمَائِي، رَفَعْتُ يَدَيَّ إِلَيْهَا،
أَنْتَظِرُ...
أُرَاقِبُ..
أَتَوَهَّمُ أَنَّ قَطَرَاتِهَا فِي الطَّرِيقِ إِلَيَّ.
لَكِنَّهَا كَانَتْ تَكْتَفِي بِالْمُرُورِ...
تُحْسِنُ فَنَّ الظُّهُورِ... لَا تُجِيدُ الْعَطَاءَ..
تَكْسِرُ قَلْبِي بِبَسَاطَةٍ وَتَرْحَلُ.
كُنْتُ أُحِبُّهَا بِقَلْبٍ يُشْبِهُ الْأَرْضَ الْعَطْشَىٰ،
أَرْضٍ تَتَشَقَّقُ مِنَ الِانْتِظَارِ،
وَتَبْتَسِمُ لِأَوَّلِ ظِلٍّ تَظُنُّهُ غَيْثًا.
أُعْطِيهَا مَشَاعِرِي كَأَنَّنِي أُعْطِيهَا لِمَنْ هُوَ مُسْتَعِدٌّ لِرِعَايَتِهَا..
لَكِنَّهَا كُلَّ مَرَّةٍ تَخْتَفِي كَالضَّبَابِ فِي الْفَضَاءِ.
كَمْ مَرَّةٍ أَقْنَعْتُ نَفْسِي أَنَّهَا سَتُمْطِرُ غَدًا..
وَكَمْ مَرَّةٍ بَرَّرْتُ هَجْرَهَا بِأَعْذَارٍ لَمْ تَقُلْهَا هِيَ..
كُنْتُ أَخْتَلِقُ لَهَا فُصُولًا لَا تُشْبِهُهَا..
وَأُزَيِّنُ صَمْتَهَا بِمَعَانٍ لَمْ تَقْصِدْهَا.
وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ، كُنْتُ أَعُودُ إِلَىٰ أَرْضِي أَكْثَرَ عَطَشًا،
إِرْهَاقًا..
وَأَكْثَرَ خَيْبَةً..
وَالْيَوْمَ، لَا أَلُومُهَا عَلَىٰ جُفُوفِهَا...
فَالْغَيْمَةُ لَا تُعْطِي إِلَّا مَا فِيهَا..
لَكِنِّي أَلُومُ قَلْبِي الَّذِي أَصَرَّ أَنْ يَنْتَظِرَ مَطَرًا مِنْ سَمَاءٍ لَا تُؤْمِنُ بِالْمَطَرِ أَصْلًا..
الَّذِي فَرِحَ بِمُرُورِ غَيْمَةٍ لَمْ تَحْمِلْ لَهُ سِوَىٰ أَمَلٍ زَائِفٍ..
أَحَبَّ مَنْ لَمْ يَمْتَلِكْ لَهُ شَيْئًا.
أَحْبَبْتُ غَيْمَةً لَا تُمْطِرُ..
فَتَعَلَّمْتُ أَنَّ لَيْسَ كُلُّ مَطَرٍ سَيَهْطِلُ عَلَىٰ أَرْضِكَ،
وَلَوِ انْتَظَرْتَ الدَّهْرَ..
وَلَيْسَ كُلُّ مَا تَمْتَلِكُهُ مِنْ مَشَاعِرَ سَيَلْقَى الْمِثْلَ..
فَبَعْضُ الْغُيُومِ خُلِقَتْ لِتَرْوِي غَيْرَكَ..
أَوْ لِأَنْ تَكُونَ دَرْسًا.. كَغَيْمَتِي.
_ مَـــرَام.


أحببت غيمة لا تمطر... ربما لم يكن الجفاف في الغيمة، بل في الرياح التي كانت تسوقها بعيدا عن حدودي. لكن العزاء يا مرام، أن السحابة التي تكتفي بالمرور تترك خلفها سماء صافية تماما.. واليوم، سماواتي خالية من الأمل الزائف، وممتلئة بيقين أن المطر الحقيقي لا يحتاج لانتظار دهر كي يهطل.
وعلى هامش هذا العتب، لا يسعني إلا الإشادة ببراعة ما كتبتِ؛ فقد صغتِ الألم بوعي أدبي رفيع .
شعور الخيبة لا يأتينا من الغيم.. إنما من المعاني التي أسقطناها عليه فحين رحلت لم تأخذ المطر معها بعيدًا .. لكنها أعادت إلينا وهم اليقين.. بأن لكل انتظار وعد