الساعة الثالثة فجرًا، لحظة الخبر
الساعة الثالثة فجرًا. الهاتف يرن.
في تلك اللحظة، قبل أن ترد، أنت تعرف. هناك رنين للخبر السيئ له نغمة مختلفة. ليس رنين المكالمة العادية، ولا رسالة الواتساب التي تنتظرها. إنه رنين ثقيل، بطيء، كأن الوقت نفسه يتباطأ ليستعد للصدمة.
تلتقط السماعة. تسمع الصوت. ثم... لا شيء.
العالم يتوقف. لا، ليس العالم..أنت من تتوقف. العالم يستمر في الدوران. السيارات تمر في الشارع. الناس تذهب إلى عملها. الثلاجة لا تزال تطن في المطبخ. لكنك أنت واقف في مكانك، لا تستطيع الحركة. كأن قدميك نبتتا في الأرض. كأن الزمن تجمد حولك، وأنت وحدك من بقي عالقًا فيه.
البعض في تلك اللحظة يبكي فورًا. انفجار. صرخة تكسر جدار الصمت. والبعض يصاب بالخدر. لا دموع، لا كلمات، فقط فراغ أسود. والبعض يدخل في حالة غريبة من "النشاط الزائد": يبدأ بالاتصال بالأقارب، يرتب الجنازة، يستقبل المعزين، يوزع القهوة. كأن الجسد يعرف أن البقاء في حالة حركة هو السبيل الوحيد لئلا ينهار.
الجسد يتفاعل قبل العقل. الأرق، فقدان الشهية، تسارع القلب، الشعور بالغثيان. الحزن ليس مجرد عاطفة. إنه حالة جسدية كاملة. الجسد يحزن قبل أن يسمح العقل لنفسه بالانهيار.
والعقل... العقل يرفض. يرفض التصديق.
"لا، هذا ليس صحيحًا. لا بد أن هناك خطأ. لا بد أن الرقم خطأ. لا بد أنني لم أسمع جيدًا."
الإنكار هو أول خط دفاع. والجسد يعرف ذلك قبل العقل.
الأيام التي تلت...عندما يتوقف الزمن
الأيام الأولى بعد الفقد تشبه المشي في قاع البحر. كل شيء بطيء، ثقيل، ضبابي و بارد. الأصوات تأتي من بعيد. الناس يتحدثون لكنك لا تفهم ما يقولون. أنت هناك، جسديًا، لكن روحك في مكان آخر.
ثم تأتي الطقوس. الجنازة. العزاء. استقبال المعزين. شرب القهوة. ترديد "البقاء لله". هذه الطقوس الاجتماعية، رغم قسوتها، قد تكون نعمة مؤقتة. لأنها تشغلك نوعًا ما. تمنعك من مواجهة الفراغ. تجعلك مشغولًا بالاستقبال لدرجة أنك لا تحزن.
لكن بعد انصراف الناس... بعد أن يعود الجميع إلى حياتهم، بيوتهم، أعمالهم، وتجد نفسك وحيدًا في بيت أصبح فجأة أكبر مما كان...
هنا تبدأ المواجهة الحقيقية.
البيت لم يعد بيتًا. أصبح متحفًا لغيابه. الصوت الذي كان يملأ الغرفة اختفى. رائحته لا تزال في الملابس. نظارته لا تزال على المكتب. كأنه غادر البارحة، أو كأنه سيأتي بعد لحظة.
أتعلم ما هو العذاب؟ أن تفتح الثلاجة فتجد شيئًا كان يحبه، وتتذكر أنه لن يأكله أبدًا. أن تمر أمام غرفته فتغلق الباب لأنك لا تستطيع النظر إلى الداخل. أن تلتقط هاتفك لتخبره بخبر، ثم تتذكر.
الحزن في هذه الأيام ليس خطيًا أو مستمرا. ليس كما يظن الناس مراحل ثابتة: إنكار، غضب، تفاوض، اكتئاب، تقبل. لا. الحزن يأتي في موجات. يوم تشعر أنك بخير، أنك قوي، أنك قادر على الاستمرار. وفي اليوم التالي تعود إلى الصفر. تفاصيل صغيرة تفتح الجرح من جديد: رائحة عطر، أغنية كان يسمعها، طبق معين، شارع مررتما فيه يومًا.
الحزن لا يأتي في المواعيد المحددة. يأتي حيث لا تتوقع. يختبئ في التفاصيل الصغيرة. في العادات التي أصبحت جزءًا منك. في الحب الذي تحول إلى روتين، ثم تحول الروتين إلى فراغ.
الذكرى التي تعذب وتداوي في آن واحد.فهي سلاح ذو حدين.
حدّها الأول هو العذاب. تذكرني بما فقدت. تفتح الجرح كلما ظننت أنه بدأ يلتئم. تذكرني بصوته، بضحكته، بحضنه الذي كان ملاذي الآمن. تذكرني بكل لحظة عشتها معه، فتعذبني لأنها لن تعود.
أتذكر كيف كان يفتح الباب كل مساء بنفس العبارة: "وينكم يا غايبين؟" وأنا أعود من الدراسة. لم أكن غائبًا. كنت في الشارع المجاور. لكنه كان يحب أن يقولها. كأنها طقس العودة إلى البيت.
اليوم، الباب يفتح بصمت. لا أحد يقول شيئًا.
لكن الذكرى لها حد آخر. حدّها الآخر هو العزاء. هي كل ما تبقى. هي الجسر الوحيد الذي يربطني به. عندما أغمض عيني وأتذكر وجهه، أشعر أنه لا يزال هنا. ليس جسديًا، لكنه هنا.
تذكرني الذكرى أنني عشت يومًا معه. أنني أحببته. أنني كنت محظوظةً لأنني عرفته. الحزن العميق الذي أشعر به الآن هو مرآة للحب العميق الذي شعرت به يومًا. لو لم أحبه بتلك القوة، لما حزنت هكذا. وهذا الحزن، في تناقض غريب، هو دليل على أن الحب كان حقيقيًا.
في ثقافتنا، نتجنب الحديث عن الموتى. "لا تفتح الجرح" يقولون. "انسَ" يقولون. "الحياة لمن يبقى" يقولون.
لكنني أعتقد أنهم مخطئون.
الصمت أقسى من الكلام. معظم من فقدوا شخصًا يريدون التحدث عنه. يريدون أن يسمعوا اسمه. يريدون أن يعرفوا أنه لم يُنسَ. يريدون أن يشاركوا ذكرياتهم، لا أن يخبئوها في زاوية مظلمة من قلوبهم.
لاحظت أن أكثر اللحظات التي أشعر فيها بالراحة هي عندما يتحدث أحدهم عنه. عندما يقول: "أتذكر مرة قال..." أو "كان دائمًا يقول..." في تلك اللحظات، أشعر أنه لا يزال حيًا. ليس في قلبي فقط، بل في ذاكرة الآخرين.
لذلك تعلمت أن أتحدث عنه. أن أذكر اسمه دون خوف. سوف أحكي قصصه لأولادي الذين لن يعرفوه. أن أجعل ذكراه حية، لا مجرد تاريخ في شهادة وفاة.
متى نعود؟ وهم التعافي الكامل
يسألونني: "هل تعافيت؟"
لا أعرف كيف أجيب.
لا عودة إلى "ما قبل". هذا ما تعلمته. لن أعود كما كنت. لن تعود الحياة كما كانت. الفقد ليس حدثًا عابرًا، ليس جرحًا يلتئم ويختفي. الفقد هو تغيير دائم. هو أن تصبح شخصًا جديدًا، شخصًا يحمل هذا الغياب معه أينما ذهب.
الخطأ الكبير هو انتظار أن تعود الحياة كما كانت. أن تنتظر يومًا "تستيقظ" فيه وقد اختفى كل الألم. هذا اليوم لن يأتي. ليس لضعفنا، بل لأننا نحب. ومن أحب، فقد جزءًا منه عندما رحل من أحب.
التعافي الحقيقي ليس أن تنسى. التعافي هو أن تستطيع التنفس مرة أخرى. أن تستيقظ في الصباح دون أن يكون أول ما يخطر ببالك هو الفقد. أن تذهب إلى عملك دون أن تتظاهر بأنك بخير. أن تضحك دون أن تشعر بالذنب بعد الضحكة.
.التعافي هو أن تبتسم لذكرى بدل أن تبكي عليها
هذه اللحظة تأتي لكل شخص في وقتها. لا يمكن استعجالها. لا يمكن فرضها. تأتي وحدها، يومًا، فجأة. تفتح الدولاب فترى قميصه، فتبتسم لأنك تذكرت كيف كان يرتديه، لا لأنك بكيت لأنه لم يعد هناك.
أتذكر اليوم الذي ضحكت فيه على نكتة. ضحكت حقًا. من القلب. ثم شعرت بالذنب. كيف أضحك وهو ليس هنا؟ كيف أكون سعيدًا وهو في قبره؟
لكنني أدركت لاحقًا أن الضحك ليس خيانة. السعادة ليست خيانة. هو لم يترك الحياة ليظل حزينًا. هو ترك الحياة ليظل أحياها. بأفضل صورة. سعيدًا. ممتنًا. حاملاً ذكراه معي، لا مكبلاً بها.
الحياة تحمل الحزن. لا نتخلص منه. نتعلم كيف نحمل حقيبته معنا. في البداية كانت ثقيلة. لا أستطيع المشي بها. تثقل خطواتي. تعيق حركتي. لكن مع الوقت، تعلمت كيف أحملها. أصبحت جزءًا مني. لا تثقلني كما كانت. أحيانًا أنسى أنها معي. ثم أتذكر.
لكنني أمشي. هذا هو المهم. انني أمشي.
هذا ما تعلمته عن الفقد. لكن دعني الآن أخبرك عن فقدي أنا.
جدي الذي كان أبي
عندما أقول "جدي"، يتبادر إلى ذهن الناس صورة رجل عجوز نراه في المناسبات، نبادله التحية، نأخذ عطيته في العيد. لكن جدي لم يكن جدي العادي. جدي هو من رباني. هو من علمني كيف أمسك الملعقة، وكيف أتكلم، وكيف أمشي. هو من كان يحضرني إلى المدرسة كل صباح، ويجلس بجانبي عندما أنام خائفة من الظلام. هو من كان يشتري لي هدايا العيد بنفسه، يختارها بعناية، لأن "بنتي تستاهل الأفضل". كان أبي. بالمعنى الحقيقي للكلمة. ليس بالدم فقط، بل بالحضور، بالتربية، بالحب الذي لا يوصف. ثم رحل. وفي الجنازة، رأيت أولاد عمي يبكون. بكوا ثم توقفوا. عادوا إلى حياتهم، إلى عملهم، إلى ضحكاتهم. لكنني لم أتوقف. كانوا ينظرون إليّ ويتعجبون: "لماذا هي متأثرة هكذا؟" لم يفهموا أن هذا لم يكن جدًا عاديًا بالنسبة لي. هم فقدوا جدًا، أنا فقدت أبي. في تلك الليلة، الساعة الثالثة فجرًا، رن الهاتف. قبل أن أرد، عرفت. هناك رنين للخبر السيئ له نغمة مختلفة. سمعت صوت أمي يبكي، ولم أستطع النطق بكلمة. تجمدت. كأن الزمن توقف. بعد ذلك، دخلت غرفته. نظارته لا تزال على المكتب. ملابسه لا تزال معلقة. رائحته لا تزال في الوسادة. جلست على سريره، حملت نظارته، وبكيت. بكيت حتى جفت دموعي. بكيت لأنني أدركت أنه لن يعود. لن أسمع صوته. لن أجلس معه في الشرفة. لن أرى عينيه تلمعان عندما أدخل من الباب. بكيت لأنني تذكرت آخر مرة رأيته فيها. كنت مستعجلة. قلت له: "بعدين جدو، وراي شغل." لم أكن أعلم أن "بعدين" لن تأتي أبدًا. تلك الكلمة تطاردني منذ ذلك اليوم.
جدي كان يجلس على كرسيه الخشبي كل مساء. بعد وفاته، ظل الكرسي فارغًا لأشهر. لم يستطع أحد الجلوس عليه. كان وكأن الجسد غاب، لكن الروح بقيت عالقة في الخشب
أولاد عمي نسوا وجلسوا يوزعون ميراثه، يتنازعون على أشياء لا تساوي شيئًا. وأنا لم أطلب شيئًا. كنت أريد شيئًا واحدًا فقط: أن يعود. أن أراه مرة أخرى. أن أسمع صوته يقول: "بنتي الغالية جت." لكنه رحل. وتركني مع حزن لا يفهمه أحد. مع بكاء لا يتوقف في الليل. مع غرفة أغلق بابها ولا أستطيع الدخول إليها. مع سؤال لا يغادر رأسي: هل كان يعرف كم أحبه؟ هل شعر قبل أن يموت بأن هذه البنت التي ربّاها تحبه أكثر من أي شيء في الدنيا؟ أنا أكثر وحدة حزنت عليه من بين كل أولاد عمي. ليس لأنني أحببته أكثر، بل لأنني كنت ابنته قبل أن أكون حفيدته. وهو كان أبي قبل أن يكون جدًا.
وأنت... من الذي فقدته؟ كيف غيرك هذا الفقد؟ وما الذي تفتقده فيه أكثر من غيره؟


قرأتك وكأنك تفتحين بابًا كنت أظنه مغلقًا في داخلي… أنا أيضًا فقدت ملاذي، وفي نفس اللحظة التي فقدتِ فيها ملاذك، كأن الغياب اختار أن يتكرر بصيغ مختلفة لكنه بنفس الألم.
مرّت سنوات وأنا واقفة في نفس النقطة؛ لا أنا تقدمت كما ينبغي، ولا أنا عدت كما كنت، فقط أتعلم كيف أتنفس مع هذا الفراغ الذي يشبه ظلًّا لا يرحل.
أحيانًا لا يكون الفقد شخصًا فقط، بل مكانًا في القلب كان يعود إليه كل شيء ليرتاح… ثم لم يعد.
ورغم كل شيء، يبقى في الذكرى شيء يشبه النجاة، وشيء يشبه الانكسار في آن واحد.
الله يربط على قلوبنا جميعًا، ويجعل ما فقدناه نورًا لا وجعًا.
كلّ ما في الأرضِ من فلسفة
لا يعزّي فاقداً عمّا فقد!