كم كوب قهوة شربت هذا الأسبوع؟
خمسة أكواب؟ ستة؟ عشرة؟
كم كوبا منهم تتذكر؟
أغلبنا يشرب القهوة كل يوم. لكن إن سألتك، كيف كان آخر كوب شربته؟ غلبا لن تتذكّر.
ليس لأنّك نسيت. بل لأنك لم تكن موجودًا اصلآ .
كنت تردّ على رسالة نصّية، في وسط إجتماع، أو انك كنت تفكّر في شيء لتنفيذه.. كلّها إلا الكوب الذي بين يديك.
هذا الموضوع ليس عن القهوة. بل عن كلّ شيء.. المشي، الأكل، العمل، وجودك بين الناس.
نحن موجودون، لكننا لسنا فعلا هنا..
أقام عالم النفس المشهور 'والتر ميشل' (Walter Mischel) من جامعة ستانفورد تجربة تدعى (Stanford marshmallow experiment) 'تجربة المارشميلو بستانفورد' أو ما عرفت بــ 'دراسة تأخير الإشباع'
فتم جمع عدد من الأطفال، و قدّموا لكلّ طفل قطعةً من المارشميلو و أخبروهم أنه ليس بإستطاعتهم ان يأكلوها إلا بعد ربع ساعة من وقت التقديم. و أنهم إذا نجحوا في ذلك سوف يكافؤونهم بالمزيد.
فلم يستطع معضم الأطفال الإنتظار.
جاءت دراسات بعد سنوات من هذه التجربة أنّ الأطفال اللذين صبروا صاروا أنجح.
لكن هناك زاوية أخرى لم ينتبه لها أحد..ماهي؟
الطفل الذي أكل قطعة الحلوى على الفور. عاش لحظة واحدةً فقط.. و هي لحظة الإشباع السريع..
أما الذي إنتظر فقد عاش الكثير. الرغبة و المقاومة، الصراع الداخلي، عاش التّفكير.. عاش ربع ساعة كاملة بكلّ تفاصيلها
ليس بالدقائق، بل بالوعي. و هنا المفارقة.
الإنسان يركض طول عمره ليعيش أكثر، لينجز أكثر و يجرّب أكثر..
لكن في الحقيقة، كلّ ما أسرع..كلّ ما عاش أقل..
السّرعة تجعلك تمرّ بالحياة، أما البطء يجعلك تعيشها..
في رواية 'الخيميائي' لــ 'باولو كويلو'، و هي رواية تتحدث عن الراعي الإسباني الشاب ‘سنتياغو’ في رحلته من إسبانيا للأهرامات.. يشق البحار و يجتاز الصحاري بحثًا عن الكنز.
وصولاً للنهاية ليكتشف أن الكنز كان مدفوناً تحت الشجرة التي كان ينام تحت ضلّها منذ البداية.
فتقول الرواية أن الحياة أحيانا تأخذك في رحلة طويلة لتتعلم أن ما كنت تبحث عنه هو معك منذ البداية.
يقول الفيلسوف 'بليز باسكال' (Blaise Pascal) :
"كلّ مصائب البشر تأتي من شيء واحد، عدم قدرتهم على الجلوس بهدوء في غرفة وحدهم"
فقبل التلفزيون، الانترنت و قبل حتّى الكهرباء، عرف باسكال المشكلة.
المشكلة ليست في المشتتات، المشكلة في الهروب..
الإنسان لا يهرب من الملل..بل يهرب من نفسه.
لأن السكون يجبره أن يسمع أسئلة لطال ما تهرّب منها:
"من أنا؟" "ما هو شغفي في الحياة؟" "مالذي يهمّني فعلا؟"
"هل أنا حقا سعيد؟"
المجتمع الحديث مبني على معادلة
الوقت = المال
و بالتالي كل لحظة ضاعت تعتبر خسارة ..
لكن هذه المعادلة تفرض شيء خطير: أن قيمة الحباة في الإنتاج..
وماذا لو قلبنا السؤال؟
ما قيمة الإنتاج بدون حياة؟
أربعة آلاف أسبوع هو متوسط حياة الإنسان (ما يقارب سبعة و سبعين سنة) لكن السؤال ليس كم تبقى لك من أسبوع؟
بل كم أسبوعا منها كنت موجودا فعلا؟
البطء ليس بكسل.. البطء وعي
و الوعي هو الحياة نفسها.
عش لحضاتك ببطء
و إستمتع بكل لحظاتك فيها.


شكرًا
فعلا